ضجيج

في إنتظار بازوليني

Posted in سينما, نظرة سريعة by Yazan Ashqar on اغسطس 19, 2008

يمكنني القول ان السينما العربية بحال من الخير لأن هناك أفلام تأتينا من المغرب العربي الشقيق ، فعلى مدار العقود الماضية لا يزال السينمائيون هناك يثبتون للعرب وللعالم أن هناك صناعة سينمائية قادرة على المنافسة في ساحات السينما العالمية من ناحية الجودة ، ويأتي فيلم ‘في إنتظار بازوليني‘ مكملاً لهذه المسيرة السينمائية العربية المغاربية بجودة واضحاً بعيداً عن الإسفاه الفني والفكري.

الفيلم من إخراج السينمائي المغربي داوود أولاد السيد ، وتدور حبكته حول قرية ‘ورزازات‘ في المغرب التي تنتظر تصوير الأفلام السينمائية عندها لتكون فرصة مشاركة سكانها في الفيلم لتحسين وضعهم المعيشي ، وسط على ما يبدو منافسة من القرى الأخرى. “جاءت السينما” ، يهلل الأطفال معلنين قدوم طاقم التصوير السينمائي فتمتلأ القرية بتحضيرات سكانها لمحاولة الحصول على فرصة في الفيلم. من بين سكان القرية تأتي الشخصية الرئيسية ‘التهامي‘ الذي له نوع من الخبرة في هذه الفرص ، فقد سبق له أن عمل مع المخرج الإيطالي الكبير بيير باولو بازوليني عندما أتى الى القرية ليصور فيلمه ‘أوديب ملكاً‘ ، وعلى ما يقول فقد قامت علاقة صداقة ما بين الإثنان ، وكان بازوليني كريماً مع سكان هذه القرية من ناحية الأجر ، فظل التهامي ينتظر صديقه عله يعود ليصور فيلماً آخر وينقذ القرية من وضعها المعيشي السئ. لكنه لا يدري أن صديقه مات منذ فترة طويلة ، فيصدم ، لكنه لا يخبر أهل القرية بذلك ، ويبقيهم في حالة من الترقب لوصول المنقذ بازوليني. يأتي الطاقم الإيطالي لتصوير الفيلم التاريخي ، ويبدأ الكاستينج ، ويقبل من يقبل ويخيب من يخيب.

إنتظار ‘التهامي‘ لبازوليني هو إنتظار التغيير لواقع معيشي مرير ، فبازوليني حاضر في ذهنه ، وهو دائم التفكير بتلك الأيام التي كان فيها موجوداً ، ورمزية بازوليني تأتي من منطلق سياسي وفكري أيضاً لتأتي تعبيراً عن الأمل الذي يمثله شخص سينمائي سياسي وشاعر وكاتب ، وتأتي ماركسية بازوليني مؤثرة في إرادة التهامي من تغيير واقع قريته مع الابتعاد عن الأنانية ، لهذا يعطيهم الأمل في الحياة ،  والسينما هنا هي في موقع هذا الأمل.

لكن الشعب لا يهتم بالسينما كسينما الا لمردودها المالي ، فطبيعة المعيشة لا تسمح لهم بنوع من هذا الترف الفكري ، ولسان حالهم حال الأغنية التي يقوم بغنائها أحد سكان القرية ، فسواء رأسمالية أم شيوعية أم إشتراكية ، لا تهم طالما أن أحدى هذه الايديولوجيات تطعم خبزاً ، يريدون أي شئ بدل هذه الحياة البائسة ، وتأتي هذه المشاهد كسخرية مريرة على واقعنا الذي فيه تتحارب كافة التيارات الفكرية التي تتسابق في سبيل أخذ يد المواطن وإيصالها الى اليوتوبيا حيث الخبز والحياة الكريمة. وفي حالة هذه القرية المغربية ، تأتي السينما كمنقذ لهذا الواقع في تناقضات قد تبدو مضحكة أحياناً ومحزنة أحياناً أخرى. إنتظار بازوليني هو إنتظار الأمل المتجسد في السينما ، والمخرج داوود نجح في إيصال الفكرة ببساطة ولغة سينمائية جميلة ، فيأتي الفيلم كدراما وكوميديا إنسانية بسيطة كتحية الى بازوليني وتحية الى السينما كفن الأمل والتغيير.

اترك رد