ضجيج

عمَان – الصورة

Posted in شخصية by Yazan Ashqar on نوفمبر 5, 2009

يمكن إختصار علاقة المشاهد للسينما بعلاقته بالصورة واستيعابه لحركتها، أي عملية استيعاب 24 صورة تتحرك في الثانية الواحدة تقريباً. علاقتي أيضاً بالصورة هكذا، كمتابع للسينما مشاهدة و وتأملاً. ذاكرتي مليئة بصور عمَان وصور واقعنا العربي بشكل عام، سينما واقعية حية، لكن الى الآن، لا توجد نهاية من النوع السعيد. وعلى الصعيد ذاته، أستطيع إختصار علاقة المواطن العربي بواقعه من خلال الصورة وتفاعله معها. فالإنسان عادة ما يشاهد فيلماً للهروب اللذيذ، فإما أن يصطدم بواقعه تقبلاً أو تحليلاً ، أو يتجنب جميع الإشارات التي تدل على هذا الواقع بالسير في طريق المشاهدة السطحية.

دولوز في فلسفته للصورة يناقض الشائع. رفض مبدأ فهم السينما كتتابع حركي للصور الفوتوغرافية، فالسينما تعطينا صورة متحركة مباشرة، واستمرارية هذه الحركة هي ما يصف الشكل الكلي. أتساءل أحياناً عن ارتباط هذا المفهوم بواقعنا العربي. دولوز في تعريفه لمفهوم الصورة – الحركة/الزمن في السينما، يعرف الحياة أيضاً. فالسينما هي شئ يقع ما بين الحياة والفن كما قال جودار، تأخذ من الحياة وتعطيها. عندما أمشي وحيداً في شوارع عمًان الهادئة ليلاً ، أرى الواقع كما هو، وهو ليس حكراً على عمَان. حقيقتنا تراجيدية، عندنا مشكلة في الحركة بالاتجاه الصحيح، وعدستنا متسخة محتاجة الى صيانة.

علاقتي بعمَان شبيهة بالسينما. وربما علاقتي بالعالم العربي ككل. الصور ذاتها. هل أنظر اليها باحثاُ عن المعنى الخفي وراء ما يجري، هل لا بد من نظرة تحليلية دائماً أم يكفي ، كما يقول دولوز ، فهمها مباشرة كتركيبة واحدة؟

عمَان بالنسبة لي مجموعة هائلة من الصور، صور من الترقب والإنتظار، صور من الحب والكراهية، صور من الغنى والفقر والملل، صور من صحراء و أشجار الأرصفة، صور ورائها طلبة وعمَال وتجار ونواب وصحفيون. عمَان في الخريف والشتاء كشريط سينمائي هادئ طويل. طاولة قديمة في مقهى أقدم. قهوة وسجائر. ضباب الدخان. قلم ومجموعة أوراق. هدوء متوتر، عصبية ترقص تحت الطاولات. بيوت قديمة، أشجارعارية في شوارع ضيقة هادئة. مجموعات شبابية ضاحكة. منازل فخمة وشركات خاصة. سيارات تسابق الريح. رائحة الفلافل المقلي. قطط تتمشى هنا وهناك. زجاجات الكونياك والويسكي الرخيصة. أحزاب صدئة. حوارات في الحب والجنس والدين. فقير يهيم على وجهه. موسيقييون جدد يبحثون عن مكان يستقبلهم. مهاجرون من كل مكان. شعوب مختلفة التقت في مدينة واحدة، تجمعهم المآسي كعامل مشترك، وآخرون يبحثون عن لقمة عيش أو حياة أفضل. هدوء قاتل. أمل مشترك. لوحة فسيفسائية حية.

عمَان محطَة وجودية بالتأكيد. صورها متحركة في كل مكان ألتقطها لتؤلف نسيجاً غريباً. غريبة هي عمَان، ربما لن أفهمها أبداً. هناك استمرارية في الحركة، لكن لا أدري في أي إتجاه. أستمتع بالنظر اليها من أي زاوية كانت. كل ما يلزمني هو الهدوء والطقس البارد، أرتدي ملابسي وأخرج الى أي شارع عمَاني، أستمتع وحدي، سينما حية في الهواء الطلق.